الأربعاء , 21 أبريل 2021
آخر الأخبار
الرئيسية » اقلام » طائفة أهل “التصوف الباطن” أو “التصوف الشعبي” بقلم : مؤنس الشرقاوي.
طائفة أهل “التصوف الباطن” أو “التصوف الشعبي” بقلم : مؤنس الشرقاوي.

طائفة أهل “التصوف الباطن” أو “التصوف الشعبي” بقلم : مؤنس الشرقاوي.

طائفة أهل “التصوف الباطن” أو “التصوف الشعبي”.

بقلم: مؤنس الشرقاوي

– الشرقاويون:
على عكس أسلوب أهل التصوف الظاهر في تربيتهم الصوفية، المعتمدة على المبالغة في العبادة والمجاهدة الجسدية، باعتبارها السبيل الموصل إلى معرفة الله”. فإن المجاهدة لدى الشيوخ الشرقاويين، قامت أساسا على ما يعرف بالمجاهدة الروحية الخالصة. ويسمى هذا النهج في التراث الصوفي الشرقاوي خصوصا، والصوفي الإسلامي عموما “بالمحبة” (339)، كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
كما أن أسلوبهم في الذكر كان يعتمد على السماع، وما يرافقه من شطح وجذب ورقص، فقد وصف طريقتهم أبو الحسن اليوسي في معرض حديثه عن الشيخ الشرقي بقوله:
“وطريقة هذا الولي الكبير مبنية على السماع، وما فيه من الجذبات والشطحات الربانية والأحوال الصادقة والمعارف الصمدانية” (340).
وقد عبر الشيخ أبو عبيد الشرقي نفسه عن هذا السلوك في بعض كلامه الملحون، واعتبره من علامات المحبة، فقال:

الله الله يا الله
الله الله يا لطيف
الحب يهز الرجال
والله ماني خفيف(341).

ويصف أحد أبناء الزاوية الشرقاوية مظاهر شدة وجد الشرقاويين، والصخب المرافق لحلقات ذكرهم قائلا:
“كان سيدي بوعبيد الشرقي عادته السماع والتواجد عن غلبة حال منه.
فإذا تغلغل فيه حضرته أصحاب الأحوال كل ناحية واشتغلوا بالجذب معه. وهو يتكلم بسماع يفتح صم الجبال وبهيج أحوال الرجال، حتى يموت ممن حضر ذلك جماعة، وكانوا يعدون أكفانهم لذلك اليوم، ولا يموت إلا من أخرق الحب كبده، فهم إذ ذاك بين باك ونائح، ولايتفرقون إلا على أسرار ربانية وأمداد رحمانية وفيض قوي”.(342)
وبالتالي فإن الشيخ أبو عبيد الشرقي اشتهر بين صلحاء تادلا، بطغيان حال “الغيبة” علی حال الصحو في سلو که الصوفي. فقد أرسل مرة إلى الشيخ أبي العباس أحمد بن يحيى دفين قرية
فشتالة، يستشيره عمن ينصبه من أبنائه خليفة له، فأجابه أبو العباس بقوله: “حتى تعرف أولادك و نتكلم معك مشيرا (يقول صاحب المرقي) إلى أنه غائب عنهم لايعرف أحدا(343) منهم
وقد كان يؤدي به استسلامه لهذه الأحوال والواردات أحيانا، إلى حد إهمال الفرائض
الشرعية.
نستند في قولنا هذا، إلى ما رواه اليوسي عن الشيخ أبي عبيد الشرقي، حيث يقول:
“كان سيدي محمد الشرقي التدلاوي يوما جالسا مع جماعة من إخوانه، فحان وقت الصلاة فجاءه المؤذن يؤذنه بالصلاة فتغافل عنه، ثم رجع إليه ثانيا وثالثا، فلما ضاق الأمر بالمؤذن، شرع في إقامة الصلاة من غير إذن، فقال له الشيخ:
ما أعجلك إن الصلاة تقضي أو تدرك ومجلس الإخوان لا يقضى”(344).
تفيدنا هذه الشهادة في التأكيد على عدم اعتماد الشرقاويين على التكاليف الشرعية في محاهداتهم، إلى حد إخراج الصلاة عن وقتها. وعلى الرغم من أن الشيخ أبا عبيد الشرقي نال حظه في علوم الظاهر، فإن هذه العلوم علی ما يبدو، لم تنل اهتمامه في التربية والسلوك الصوفي كثيرا، إذ حلت حلقات السماع والذكر محل كراسي علوم الشريعة في زاويته.(345)
وبناء على ذلك، فقد طغت الشهرة الصوفية للزاوية الشرقاوية خلال النصف الثاني القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي، على النشاط العلمي المتواضع بما(346). فلم یکن بإمكانه أن يرقى إلى مستوى ما كان سائدا بزاوية الصومعة في عهد شيخها أحمد بن أبي القاسم،
أو ما عرفته زاوية الدلاء في عهد شيخها أبي بكر من نشاط.
غير أن ما يلفت الانتباه، هو أنه على الرغم من أن أبناء وأحفاد هذا الشيخ الشرقاوي
الذين عاشوا خلال القرن الحادي عشر الهجري/ السابع عشر الميلادي وبداية القرن الثاني عش الهجري الثامن عشر الميلادي مثل الشيخ محمد الصالح وابنه محمد المعطي، قد اهتموا بعلوم الظاهر
وتفقهوا في علوم الشريعة كما أشرنا. فإن سلوك جدهم أبو عبيد الشرقي ظل حاضرا وبشكل واضح في سلوك هؤلاء الشيوخ، وظلت مميزات تصوفه النموذج المقتدی به لديهم جميعا.
فقد ظل “علم الأذواق” يحظى بالأولوية في سلوكهم على “علم الأوراق”، وحافظوا في تصوفهم على أسلوب التربية “بالهمة” (347)، سواء في دخولهم الطريق أو في علاقتهم بمريديهم.
كما حافظوا في مجاهداتهم لتحصيل “مقام الفناء” على أسلوبي السماع والمحبة. (348)
فقد كانت طريقة الشيخ محمد الصالح، كما وصفها صاحب اليتيمة “طريقة سلوك
وكمال، وربما خالطها جذب وشطحات وصعقات وأحوال “(349) مثله في ذلك مثل ابنه محمد المعطي صاحب الذخيرة، الذي يروى أنه كانت تعتريه أحوال صوفية، وأنه يغيب في الجذب(350)
كما كان يطيب بالسماع كثيرا “(351). وله أحزاب كثيرة وصفت بأنها “ألفت بأصل الطبوع الملحونة والأسجاع الفائقة الموزونة”(352). وخاصة منها حزبي الفتح والنور الذين شاعت قراءتهما
في الزاوية الشرقاوية على عهده.
ولعل هذا ما جعل الباحث أحمد الوارث، يشير إلى أن تأثيرا ما طرأ علی ناصریة
الشرقاويين على عهد شيخها محمد الصالح وابنه محمد المعطي. هو ما شجعه على القول بأن انتماءهم إلى الطريقة الناصرية صار كعدمه. (353)
وبناء عليه، لا غرابة إذا تخرج على أيدي الشرقاويين صلحاء محاذيب من أهل السماع والحضرة، ومن أهل الأحوال والغيبة إلى حد البهللة وإثارة الملامة. وينطبق الأمر على شيوخ الطريقتين الصوفيتين: الحمدوشية والقاسمية 354)
فقد كان سيدي علي بن حمدوش، شيخ الطريقة الحمدوشية، الذي أخذ عن الشيخ سيدي محمد المدعو “الحفيان” وهو عن والده سيدي محمد بن أبي عبيد الشرقي من أهل الجذب قوي الحال يحب السماع والحضرة والمدح والثناء و آله الطرب(…) وتخرج عليه وظهر كثير من أهل الخير والصلاح، وجلهم محاذيب أو مشوب بالجذب”. (355)
وينسب شيخ الطائفة القاسمية أبو القاسم بن أحمد بن عبد الكريم السفياني، الشهير بابن للوشة لشيوخ الطريقة الشرقاوية. وإذا كانت الروايات تختلف حول الشيخ الذي تتلمذ عليه، فالبعض يجعله تلامذة الشيخ أبو عبيد الشرقي، ويجعله البعض الثاني من مريدي ابنه عبد السلام(356). فإنها تكاد تتفق على أن ابن للوشة سار على نهج السلوك الصوفي الشرقاوي “فكان وليا كاملا، ذا أحوال ربانية ومواهب عرفانية، بهلولا، ملامتيا كثير الغيبة”. (357)

(339) – أحمد الوارث، الأولياء والمتصوفة ودورهم الاجتماعي والسياسي، ص: 64.
(340) – محمد العبدولي، يتيمة العقود الوسطى،ص300.
(341) – عبد الخالق العروسي، المرقي، ص: 4257 اليوسي، المحاضرات، ص117
(342) – الشرقي المرقي، من داود، الفتح الوهبي في مناقب الشيخ العربي، ص 229.
(343) – عبد الخالق العروسي، المرقي، ص: 281.
(345) الحسن اليوسي، المحاضرات، ص: 169؛ محمد العبدولي، يتيمة العقود الوسطى، ص: 92.
(345) – أحمد الوارث، الأولياء والمتصوفة، ج: 1، ص: 68.
(346) أحمد بو کاري، الزاوية الشرقاوية، ج: 1، ص: 183.
(347)- الهمة: تتلخص عند الصوفية في صون القلب عن خسة الرغبة في الفاني، وتورث أنفة المبالاة بالعلل، والثقة بالأمل، وهي تنحو بالنعوت نحو الذات. أنظر: الحسن اليوسي، رسائل البوشي، ص: 441 الهامش رقم 1
ومن هذا المصطلح جاءت تسمية “شيخ الهمة”: وهو “ذو البصيرة النافذة والنور التام والهمة العالية بحيث يغني بالنظرة لمن هية لذلك”. عکس “شيخ التربية” الذي يكون بمثابة الدليل للمريد السالك، يذله في طريقه إلى الله وبحذره من الشيطان
والنفس. وله علامات ظاهرة هي: العلم، والإعراض عن الدنيا، وسلامة الصدر، والكرم، والتسامح وغيرها من الصفات.
أنظر: محمد بن الطيب القادري، نزهة النادي وطرفة الحادي في المغرب من أهل القرن الحادي، م. خ، خ. ع، بالرباط، رقم:
370 د، (ضمن مجموع)، ص: 4239 الحسن اليوسي، رسائل اليوسي، ص: 348.
(195) .. أحمد الوارث، الأولياء والمتصوفة، ص: 13300132.
(349) – محمد العبدولي، يتيمة العقود الوسطى، ص144
(390) – ديل كلمان، الإسلام في المغرب، ج: 1، ص: 55.
(350) – محمد العبدولي، يتيمة العقود الوسطى، ص321

(352) محمد العبدولي، يتيمة العقود الوسطی، ص: 321.
للمزيد من التفاصيل حول هذه الأحزاب، يمكن الرجوع إلى أحمد بو کاري، الزاوية الشرقاوية، ج: 1، ص، ص: 132-137.
(353) – أحمد الوارث، الأولياء والمتصوفة، ص: 261-262.
(354) – سيأتي الحديث عنهما وعن محال انتشارهما في النقطة الخاصة بامتداد النفوذ الصوفي الشرقاوي.
(35) – محمد المنالي الزبادي، سلوك الطريق الوارية، ص: 327.
(356) الحسن بن محمد الهداجي، الروض اليانع الفائح في مناقب سیدنا و مولانا أبي عبد الله محمد المدعو بالصالح، م. خ، خ. ع، بالرباط، رقم 86 ج: ص452.
(357) – محمد القادري، نشر المثاني، ج 2، ص: 261.
للمزيد من التفاصيل حول مظاهر وتحليات التأثير الشرقاوي في الطائفة القاسمية، يمكن الرجوع إلى مقال للباحث أحمد الوارث تحت عنوان “تصوف البرام خلال القرنين 17-18م- التيار الشرقاوي نموذجا” في: الرباطات والزوايا في تاريخ
المغرب، ص. : 237-255.
#بتصرف…

جامعة محمد الخامس -أكدال
كلية الآداب والعلوم الإنسانية
الرباط
شعبة التاريخ – وحدة: الدولة والمجتمع خلال العصر العلوي إلى حدود 1956
أطروحة لنيل الدكتوراه في التاريخ
تحت عنوان:
الحركة الصوفية في منطقة تادلا
خلال القرنين 10 و11ه/ 16م و17م
إنجاز الطالبة: لطيفة شراس .
تحت إشراف الأستاذ:
د. عبد اللطيف الشاذلي
السنة الجامعية 1425-1424م / 2004-2003 م

٠

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

shares