الأحد , 27 نوفمبر 2022
آخر الأخبار
الرئيسية » اقلام » قراءة في المادة 08 من مشروع قانون المالية لسنة 2023 للأستاذ أنوار الجاحظ
قراءة في المادة 08 من مشروع قانون المالية لسنة 2023 للأستاذ أنوار الجاحظ

قراءة في المادة 08 من مشروع قانون المالية لسنة 2023 للأستاذ أنوار الجاحظ

يعتبر القرار المالي السنوي عند أغلب الباحثين في المالية العامة، تلك الوثيقة الأساسية التي من خلالها تعبر الدولة عن سياستها العمومية، وتكشف عن اختياراتها وتوجهاتها، كما تعد أهم آلية لتنزيل التوجيهات الملكية السامية، وتنفيذ البرنامج الحكومي في مجالات النشاط الاقتصادي والاجتماعي والثقافي. ومن زاوية التشريع المالي، يتوقع القرار المالية السنوي، لكل سنة مالية، مجموع موارد وتكاليف الدولة، ويقيمها وينص عليها ويأذن بها، استنادا إلى البرمجة الميزانياتية لثلاث سنوات.

وبهذا الصدد، يعد قطاع السكن من بين القطاعات التي تحظى باهتمام كبير وتتبع واسع من قبل مختلف الفاعلين خلال مراحل صناعة القانون المالي السنوي. وذلك بالنظر لأهمية هذا القطاع في حياة الفرد، حيث يعتبر حقا من حقوقه الأساسية، وجزء من إحساسه بكرامته المتأصلة فيه. ونظرا لمكانة هذا الحق في الوجود الإنساني، ارتقى به المشرع من خلال الفصل 31 من دستور المملكة إلى درجة التزام دستوري يقع على عاتق الدولة ومؤسساتها تجاه جميع المواطنين لتيسير أسباب استفادتهم على قدم المساواة من سكن لائق.

ولقد شكلت قوانين المالية السنوية المتتالية أهم آلية لضمان استفادة جميع الأفراد من الحق في السكن اللائق. وفي هذا السياق جاءت المادة الثامنة من مشروع قانون المالية رقم 50.22 للسنة المالية 2023، بمجموعة من المقتضيات الجديدة التي تخول للأفراد الاستفادة من السكن المدعم من طرف الدولة. حيث نصت على أن الدولة تحدث إعانة لدعم السكن لفائدة مقتنيي مساكن مخصصة للسكن الرئيسي، ويشترط للاستفادة من هذه الإعانة أن يكون المقتني مغربيا، ولم يسبق له أن استفاد من أي امتياز للدولة فيما يخص دعم السكن، وأن لا يكون مالكا لعقار مخصص للسكن. كما اشترطت كذلك أن يتم إبرام الوعد بالبيع وعقد البيع النهائي لدى موثق، وأن يتضمن عقد البيع لزوما التزام المقتني بأن يخصص السكن لسكنه الرئيسي لمدة أربع سنوات، ويلتزم كذلك بأن يضع لفائدة الدولة رهنا رسميا ضمانا لاسترداد الإعانة الممنوحة له في حالة إخلاله بالتزاماته، ولا يرفع الرهن المذكور إلا بعد أن يدلي المستفيد بمجموعة من الوثائق التي حددتها المادة المذكورة. كما أشارت نفس المادة أنه سيتم تحديد أشكال هذه الإعانة وكيفيات منحها بنص تنظيمي.

وتستدعي القراءة المتأنية لمقتضيات هذه المادة، إثارة مجموعة من الملاحظات:

   أولا: يتضح بداية أن مقتضيات المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023، تعبر عن رؤية جديدة جاءت بها الحكومة لإصلاح قطاع السكن المدعم من طرف الدولة، استجابة للتوجيهات الملكية السامية، التي أكدت فى كثير من الأحيان على تيسير الولوج لسكن تتوفر فيه شروط العيش الكريم. وتنزيلا كذلك لتوصيات التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات – 2016/2017 – التي أكدت على إعادة النظر في خطط المنتوج الاجتماعي السكني ببرنامجيه، بغية تحسين ظروف تنزيله وشروط إنجازه. وتأكيدا كذلك لتوصيات النموذج التنموي الجديد التي دعت إلى مراجعة منتوج السكن الاجتماعي لأجل إعطاء  دينامية جديدة لقطاع السكن.

   ثانيا: ومن جهة ثانية  يبدو أن المادة الثامنة جاءت بمنتوج جديد لدعم قطاع السكن عن طريق آلية الدعم المباشر المقدم من طرف الدولة للمستهلك مقتني السكن، بعد انتهاء مهلة استفادة الأسر المغربية من امتياز سريان نص المادة 19 من قانون المالية لسنة 2008 التي أحدثت السكن ذي القيمة العقارية المنخفضة. وكذلك انتهاء سريان أحكام البند الأول من المادة 07 من قانون المالية لسنة 2010 الذي أحدثت منتوج السكن الاجتماعي.

   ثالثا: يبدو أن المنتوج السكني الجديد الذي تضمنته المادة الثامنة، جاء نتيجة مجموعة من الإختلالات التي عرفها إنتاج وتسويق المنتوجين السكنيين؛ السكن ذي القيمة العقارية المنخفضة الذي لا تتجاوز قيمته140  ألف درهم، والسكن الاجتماعي الذي لا تتجاوز قيمته 250 ألف درهم. حيث لم تعد الدولة قادرة على تمكين المواطن المغربي من حقه فى الحصول على سكن لائق، لذلك استعاض مشروع قانون المالية لسنة 2023 عن

الامتيازات الواسعة التي كانت ممنوحة للمنعشين العقارين وخصص دعم مباشر لمقتني السكن الرئيسي، دون الاعتماد على مقاربة التحفيزات الجبائية المضمنة بمقتضى المدونة العامة للضرائب، وميثاق الاستثمار.

   رابعا: يتبين كذلك أن مشروع مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الثامنة، منح للموثقين امتياز اختصاص تحرير إبرام الوعد بالبيع وعقد البيع النهائي موضوع السكن المدعم من طرف الدولة، دون غيرهم من العدول والمحامين المقبولين للترافع أمام محكمة النقض. ويعتبر تكريس هذا التوجه تفييئ غير مبرر وتمييز تشريعي يعصف بمبدأ مساواة المهنيين الذين يزاولون مهام التوثيق أمام القانون، كما جاءت به مضامين الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان التي صادق عليها المغرب، منها ما نصت عليه المادة السابعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في 10 دجنبر1948. وما نصت عليه كذلك ديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية الصادر في 16 ديسمبر1966. وديباجة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر في 16 ديسمبر 1966. والمادة الثالثة من الباب الأول من الجزء الأول من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان والشعوب الصادر في 27 يونيو1981، التي أكدت جميعها أن جميع الناس سواء أمام القانون ويتمتعون بنفس بالحقوق ويتحملون الفرائض والواجبات دونما فرق بينهم.

   خامسا: يلاحظ كذلك أنه إذا كان المشرع المالي من خلال التشريع الضريبي، قد خاطب العدول والموثقين بنفس النصوص القانونية المؤسسة للأعباء والالتزامات الضريبية، إلا أنه من زاوية التمتع بالحقوق ومنح الامتيازات لم تتعامل معهم الفقرة الثانية من المادة الثامنة من مشروع قانون المالية بنفس المساواة المطلوبة ومالت كل الميل إلى جهة الموثقين، عندما منحتهم امتياز اختصاص تحرير العقود المتعلقة بالسكن المدعم من طرف الدولة بصفة فردية. ويمس هذا التوجه القواعد التي أسستها الوثيقة الدستورية لمبدأ المساواة أمام الضريبة، الذي يقضي بالضرورة خضوع كافة الملزمين الذين يشتغلون مراكز قانونية متماثلة لنفس الأعباء والالتزامات، والتمتع  بنفس الحقوق والامتيازات الضريبية. وبهذا الصدد تكون المادة الثامنة قد خرقت أحكام الفصل السادس من الدستور، الذي يؤكد على أن جميع الأشخاص ذاتيين أو اعتباريين متساوون أمام القانون. وخرقت كذلك مبدأ العدالة الضريبية كما هو منصوص عليه طبقا لأحكام الفصلين 39 و40 من دستور المملكة، والذي يقضي بوجوب ضرورة أن يتحمل الجميع التكاليف العمومية كل قدر استطاعته. وانحرفت كذلك عن مبدأ المساواة كأحد المبادئ الموجهة لحكامة المرفق العمومي، الذي يقضي بتساوي الجميع أمامه سواء في الاستفادة من خدماته أو المساهمة في تحمل أعبائه كما هو منصوص عليه فى الفصل 154من الدستور المغربي.

   سادسا: ويتبين كذلك أن مقتضيات الفقرة الثانية من المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023، تعتبر امتدادا للحيف التشريعي الذي سبق أن كرسه البند الأول من المادة 7 من قانون المالية لسنة 2010، الذي منح امتياز اختصاص تحرير العقود المتعلقة بالسكن الاجتماعي للموثقين دون غيرهم من المهنيين الذين يزاولون مهام التوثيق طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 93 من المدونة العامة للضريبة. وكذلك ما جاء به البند الأول من المادة السادسة من قانون المالية لسنة 2020، الذي منح اختصاص حكري للموثقين لتحرير عقود السكن الرئيسي المعفى من الأرباح العقارية طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 63 من المدونة العامة للضريبة. ويدل هذا التوجه أن قوانين المالية السنوية أصبحت آلية من آليات الريع التشريعي، وملجأ لتهريب الاختصاصات ومنح الامتيازات للموثقين و وتهميش باقي المهنيين محرري العقود.

       سابعا: ويتضح كذلك أن الفقرة الثانية من المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023، ستكرس منافسة غير مشروعة بين المهن القانونية التي تزاول مهام توثيق المعاملات العقارية، وستقيد إرادة المستهلك مقتني السكن المدعم من طرف الدولة في اختيار الجهة التوثيقية التي يطمئن لها. ولهذا السبب تساءلنا هذه المادة عن جدوى تنظيم مؤسسة التوثيق العدلي التي لا مجال للتذكير باختصاصها الأصيل فى توثيق المعاملات العقارية. وكذلك جدوى منح مشرع مدونة الحقوق العينية للمحامي المقبول للترافع أمام محكمة النقض حق توثيق المعاملات العقارية.

   ثامناومن زاوية تراتبية النص القانوني، يتضح أنه رغم خلو الفقرة الثانية من المادة الثامنة من شرط الاحتفاظ بودائع المتعاقدين مقتنيي السكن المدعم من طرق الدولة. فإنه ليس هناك ما يمنع المشرع المالي من النص على منح العدول حق الاحتفاظ بودائع المتعاقدين مقتنيي السكن المدعم من طرق الدولة، نظرا لكون العدل يتقيد في مزاولة مهامه حسب الاختصاصات المقررة بمقتضى نصوص القانون المالي السنوي التي تعتبر نصوص خاصة تجاه أحكام القانون رقم 16.03 المتعلق بخطة العدالة. على غرار ما نصت عليه المادة 08 من القانون المالي لسنة 2018، بخصوص إلزام العدل بمجرد تلقي العقد القيام بتحريره وتوجيهه إلى مكتب التسجيل المختص بطريقة إلكترونية.

   وعلى سبيل الختم؛ إذا كانت تعتبر مستجدات المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023، رافعة أساسية للنهوض بقطاع السكن، وإعطاء دفعة جديدة لمنتوج السكن الموجه للطبقة المتوسطة عن طريق التخلي عن الامتيازات الجبائية التي كانت ممنوحة للمنعشين العقارين، وتخصيص دعم مباشر لمقتني السكن الرئيسي. إلا أنها عندما أناطت مهمة توثيق عقود هذا المنتوج السكني الجديد للموثقين دون غيرهم من المهنيين الذين يزاولون مهام التوثيق، تكون قد عصفت بمبدأ مساواة الأفراد أمام القانون كما جاءت به مضامين الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، وأكدت عليه الوثيقة الدستورية للمملكة المغربية. وشرعت كذلك لمنافسة غير مشروعة تتنافى مع جميع التشريعات المدنية والجنائية والتجارية، التي خاطبت جميع المهنيين الذين يزاولون مهام التوثيق، بنفس الالتزامات والحقوق والامتيازات دون تمييز أو تفرقة بينهم نظرا لاشتغالهم مراكز قانونية متماثلة فى توثيق المعاملات العقارية.

ولهذه الأسباب يجب على المؤسسة التشريعية تدارك هذا الخلل التشريعي وتتميم المادة الثامنة من مشروع قانون المالية لسنة 2023، بمنح اختصاص توثيق عقود السكن المدعم من طرف الدولة للعدول الموثقين.


  الأستاذ أنوار الجاحظ / عدل موثق باستئنافية سطات،باحث في المالية العامة.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

shares