الأربعاء , 21 أبريل 2021
آخر الأخبار
الرئيسية » اقلام » العصر السعدي الذي عاش فيه الولي الصالح الشيخ أبوعبيد امحمد الشرقي
العصر السعدي الذي عاش فيه الولي الصالح الشيخ أبوعبيد امحمد الشرقي

العصر السعدي الذي عاش فيه الولي الصالح الشيخ أبوعبيد امحمد الشرقي

العصر السعدي الذي عاش فيه الولي الصالح الشيخ أبوعبيد امحمد الشرقي.

مؤنس الشرقاوي

🥇أ- سياسيا:
عاش الشيخ امحمد الشرقي خلال الدولة السعدية من خلال الفترة التي عاش فيها وهي (926-1010ه)/(1518-1602م)، وقد نشأت هذه الدولة على حساب الدولة الوطاسية التي تسربت عليها عوامل الفوضى والاضطراب الناتجين عن الصراع حول العرش إضافة إلى تمكن البرتغاليين من احتلال كثير من المناطق الساحلية المغربية، ومن ذلك احتلال سبتة سنة 1415م، وأصيلا وطنجة سنة 1471م وآسفي وأزمور سنة 1481م و1486 على التوالي ومليلة سنة 1479م، كما احتل الإسبان ساحل أغادير سنة 1505م. أمام هذه الأوضاع بادر المصامدة إلى مبايعة الشريف عبد الله محمد القائم بأمر الله(5923-915)/(1517-1510م)، وكان مقيما بدرعة، فبايعه فقهاء المصامدة وشيوخ القبائل، ولعل أبر من ساعده في تأسيس هذه الدولة محمد بن مبارك تلميذ الشيخ محمد بن سليمان الجزولي الذي اشتهر بزاويته في سوس إضافة إلى سلطته الروحية هناك.
عين أبو عبد الله ابنه أبو العباس الأعرج وليا لعهده ، وقد لعب هو وابنه دورا كبيرا في محاربة الاحتلال البرتغالي في أغادير وبعد وفاة الوالد بويع الأعرج ملكا على البلاد (923-946)/1517-1539م) حيث تمكن من دخول مدينة مراكش سنة 930ه وجرى الصلح بين السعديين وبني وطاس على أن تكون المنطقة الممتدة من تادلا إلى السوس لصالح السعديين ومن تادلا إلى المغرب الأوسط لصالح الوطاسيين. كما تمكن هذا السلطان من استرجاع مدينة آسفي من الإسبان سنة 933ه. وفي سنة 946ه خلع السلطان محمد الشيخ أخاه أبو العباس الأعرج وقام بسجنه مع أولاده إلى أن توفي الأعرج بمراكش وتربع الشيخ على عرش الدولة (946-5964) حيث واصل عمله ضد النصارى من جهة ومن جهة أخرى ضد خصومه من بني وطاس فأجلي النصارى من أغادير وآسفي وأزمور وأصيلا ،كما تمكن من دخول فاس ومكناس مما جعل السلطان الوطاسي أبو حسون يستنجد بصالح رایس بالجزائر فأعانه و ومكنه من الرجوع إلى
فاس سنة 961ه، لكن هذا الأخير قتل أي أبو حسون قتل في معركة بتادلا ضد السعديين أواخر 961ه وبذالك انقرضت الدولة الوطاسية بعد أن عمد محمد المهدي إلى قتل أفراد العائلة الحاكمة. وفي سنة 1557/5664م أغتيل السلطان محمد الشيخ فخلفه السلطان أبو محمد عبد الله الغالب (964-981)/ 1556-1573م) ثم خلفه محمد المتوكل (981ه – 983ه)/(1575-1573م)، فعندما توفي محمد الشيخ وتولى بعده ابنه الغالب كان أخواه عبد الملك الغازي المعتصم بالله وأحمد المنصور بسجلماسة ولما بلغهما استيلاء أخيهما الغالب على الحكم توجها إلى الجزائر ولما علما بتولي محمد المتوكل ابن الغالب على الملك توجه عبد الملك إلى السلطان سليم الثاني وطلب منه المساعدة في استرجاع العرش فوجهه إلى الجزائر لتلبية طلبه وهو ما حصل حيث تمكن الأخوين من هزيمة المتوكل في وادي سبو ووادي الريحان قرب سلا سنة 983ه وتمكنوا من دخول فاس وفر المتوكل إلى مراكش.

♦️السلطان عبد الملك (983-986)/1575-1578م):
تمكن عبد الملك من مراكش وأرسل أخاه أحمد المنصور إلى سوس التي ظلت على وفائها للمتوكل إلى أن استنجد بالبرتغال بقيادة الملك سباستيان ،شرط أن تكون سواحل المغرب لهم ومن ضمنها ميناء العرائش فأرسل البرتغاليون دعما بأكثر من مائة ألف مقاتل، انتقلت إلى طنجة ثم عسكرت بأصيلا وجرى اللقاء
بوادي المخازن حيث تراجع جيش المتوكل وغرق هذا السلطان بالنهر ، بينما قتل الملك عبد الملك قيل بسم وضع له من قبل الترك وقيل أنه بتدبير من أنصار السلطان المتوكل، كما غرق في النهر الامبراطور البرتغالي سباستيان، فبويع بعد ذالك السلطان أحمد المنصور والذي تمثل فترة حكمه دور العظمة بالنسبة لهذه الدولة.

♦️السلطان أحمد المنصور الذهبي (986-1578/51012-1603م):
من أهم أعمال هذا السلطان إدراكه أهمية تأكيد سلطان الدولة على أرجاء المغرب خاصة في الصحراء حيث قام السلطان بحملتين، الحملة الأولى سنة 1581/989 حيث بعث جيشا إلى توات
وضواحيها. كما فتح بلاد السودان سنة 999/ 1591م حيث قصد السلطان البلاد من مراكش مارا بتندوف وتغازي وتاودني وكارابارا وتمبكتو ثم قصدوا مدينة كاغوا عاصمة آل سكية ورفض الملك عرض السكان الخضوع مقابل جزية..
الحملة الثانية سنة 1594/1000م وهي حملة من أجل اخماد ثورة قام بها أهل تمبوكتو سنة 1003ه/1594م حيث اعتقل العلماء والصلحاء من بينهم أحمد بابا التمبكتي.
إن السيطرة على الصحراء معناه مراقبة منطقة كانت ملاذا للثوار واستغلال مجالها الاقتصادي خاصة ما تعلق بالمعادن الثمينة والتي منها الذهب، وقد شملت هذه المنطقة شمال النيجر ومملكة برنو وتمبكتو وكاغو.

الثورات الداخلية في عهده:
شهد البلاد في عهد السلطان بعض الإضطرابات قضي على مجملها ومنها:
أ- ثورة داود بن عبد المؤمن بن محمد الشيخ وسببها أخذ المنصور ولاية العهد لابنه محمد الشيخ عام 987ه بجبل سکسيوة.
ب- ثورة عرب الخلط: وكانوا بأزغار بحيث كثرت اعتداءاتهم على جيرانهم ورفضة
المشاركة في حملة على تيكورارين، فأرسل عليهم حملة تأديبية.
ج- ثورة قراقوث بغمارة حيث قضي على ثورته ثم قتل عام 993ه.
د- ثورة الناصر بن عبد الله الغالب سنة 1003ه، الذي لجأ إلى الإسبان عند مقتل السلطان عبد الملك في وادي المخازن ، وكان له سند في الريف المغربي وتازة ومكناس ،لكن تم أسره وقتله سنة 1005ه.
ذ. ثورة محمد المأمون بن المنصور ولي العهد ، كان نائبا عن والده على فاس لكنه كان سيئ السيرة ألقي عليه القبض وسجن بمكناس وفر من السجن في عهد السلطان زيدان .

🎖ب: ثقافيا:
بعد استقرار الأحوال ورجوع الأمن إلى نصابه عاد لكل شيء رونقه وبهجته وأقبل
كل على شأنه ، ورجال العلم أيضا أخذوا في إحياء ما اندثر وجمع ما تبعثر من سالف ذالك المجد العلمي والتاريخ الأدبي فام تنشب حركة العلوم والآداب أن عاودها النشاط والإنتعاش، وخصوصا بعدما أنست من الملوك السعديين وعلى رأسهم المنصور الذهبي ذلك التعضيد. ومما يؤثر عن الملوك السعديين حبهم للعلم وتقريبهم للعلماء فقد كان محمد المهدي يحفظ القرآن وديوان المتنبي عن ظهر قلب وينقض بنفسه فتاوى بعض العلماء مما يدل على اطلاع غزير ومقدرة على الاستنباط ومقارعة الحجة بالحجة .
والسلطان محمد الغالب فقد كان محبا للعلماء والصلحاء كثير الاعتقاد فيهم حتى أنه كان يتردد مرارا على الشيخ أحمد بن موسى السملالي يستدر بركته وكان مع
بعض أرباب الزوايا.
وامتاز هذا السلطان بمحاربة أهل البدع خاصة طائفة الشراقة الذين كانوا ينتسبون إلى أحمد بن يوسف الملياني، وكان هو نفسه يتبرأمنهم لأنهم كانوا يتهمون بكونهم إباضية.
أما المنصور فقد كان ملما بالنحو وعلوم اللغة والفقه والحديث مقرضا للشعر ،أجازه
العلماء، واستجاز علماء وفقهاء مصر، لقد كان أبو العباس ملكا واسع الثقافة مواظبا على طلب العلم رغم ثقل المسؤولية الملقاة على عاتقه، حتى أن شيخه المنجور وصفه بعالم الخلفاء، وخليفة العلماء، نشر الأمن ووطد دعائم العمران وقرب الأدباء والعلماء.
وقد ازدهرت الحياة الفكرية بوجه خاص في زمن هذا السلطان ، ازدهارا تجلى في
تزايد معاهد العلم والدراسة وكثرة العلماء وطلبة العلم، فطالب العلم يلقن أولا مبادئ
القراءة والكتابة ثم يشرع في حفظ كتاب الله العظيم، ثم مختصر خليل، فرسالة ابن أبي زيد القيرواني، ثم الأجرومية وألفية ابن مالك، فلامية الأفعال، وكبرى السنوسي ثم كتب الحديث والفقه المالكي، وبعد التعلم والتحصيل يأخذ الطالب إجازة خاصة .
ومن العوامل التي ساعدت على انتشار العلم والأدب خلال هذه الفترة تعدد المراكز الثقافية في الحواضر والبوادي وبخاصة في مراكش التي استرجعت نشاطها العلمي القديم بما أنشئ فيها أو جدد من معاهد التعليم، کمسجد الشرفاء بالمواسين، ومسجد باب دكالة، ومسجد أبي العباس السبتي والمكتبات الغنية الملحقة بها، ومدرسة ابن يوسف التي ضاهت کبیریات مدارس فاس بالإضافة إلى تجديد جامع القرويين وإنشاء المكتبة العظيمة بجواره وتوسيع المسجد الكبير بالمحمدية (تارودانت) والمرافق الطلابية الملحقة به، إنه من الطبيعي أن يتكاثر عدد العلماء والطلبة أيام إقبال الدولة السعدية بعد أن وطئت لهم الأكتاف وأغدقت عليهم الأرزاق وتجسد هذه العناية قولة أحمد المنجور شیخ الجماعة بفاس وهو مخضرم عاش أيام الوطاسيين والسعديين :
“ما عهدنا بذل المئين في الصلاة إلا في أيام الشرفاء ولا عهدنا بذل الألوف إلا في عهد أمير المؤمنين المنصور أيده الله”.
وحتى بعد إدبار أيام هذه الدولة لم يعدم العلماء والمتعلمون وعددهم أنذاك كثير، مجال للعمل في الزوايا الكبرى مثل الزاوية الدلائية في الأطلس المتوسط والزاوية الناصرية في درعة، والزاوية العياشية في الأطلس الكبير.
وهناك ظاهرة كثرة الكتب في العصر السعدي وتعدد خطوطها من مغربية وأندلسية ومشرقية، بعض هذه الكتب من إنتاج رجالات هذا العصر في مختلف المواضيع الشرعية واللغوية والرياضية والطبية والتاريخية والأدبية، أهدى منها لخزانة أحمد المنصور وحدها أزيد من مائة كتاب، وبعضها الآخر كتبه نساخون هواة ومحترفونه في مراكش و غيرها من المراكز الثقافية المغربية، أو في القاهرة ومكة والمدينة والقسطنطينية وغيرها من عواصم الشرق الإسلامي، وحمله إلى المغرب رجال من البلاط السعدي كانوا يذهبون بانتظام إلى المشرق وفي رواحلهم صناديق مملوءة ذهبا ليعودوا بها مملوءة كتبا، وفي آلاف المخطوطات السعدية التي ما تزال حتى اليوم تزخر بها المكتبات العامة والخاصة بالمغرب ومكتبة دير الاسكوريال باسبانيا، أصدق دليل على اتساع حركة التأليف وانتساخ الكتب في ذالك العصر الزاهر. ويمكننا أن نضيف إلى مدينة مراكش، مدينة فاس التي انفردت بالزعامة إلى غاية (986ه-1578م) أي قبل مدينة مراكش، حيث عرفت فاس طبقتين من العلماء:
أولاهما طبقة ابن غازية نسبة إلى محمد بن أحمد بن غازي المكناسي ثم الفاسي، شیخ الجماعة العلامة الحافظ الحجة المحقق، خاتمة علماء المغرب، صاحب کتاب، الروض الهتون في أخبار مكناسة الزيتون. توفي 919ه.- أو العلماء المخضرمين الذين عاشوا معظم حياتهم خلال القرن التاسع الهجري أدركو العقود الأولى من القرن 10 الهجري،
والثانية طبقة سقين نسبة إلى
عبد الرحمن بن علي سقين العاصمي السفياني محدث ورحالة ،تولى الإفتاء بفاس توفي 956ه.
أو تلاميذ الطبقة الأولى الذين عاشوا خلال أواسط القرن العاشر الهجري وألحقت بهذه الطبقة كل من لم يدرك أيام السلطان أحمد المنصور الذهبي أو لم يأخذ مباشرة عن ابن غازي وأقرانها ومن أشهر هؤلاء العلماء إضافة إلى المكناسي وسقين نذكر كل من:
الحسن بن محمد الوزان)
ت بعد 1528/ 934
وعبد الواحد الونشريسي، ت1549/ 5955م
وأحمد بن علي المنجور المكناسي ت 1587/995م
وعبد الواحد بن أحمد الحميدي (ت1595 /01003م)،
وأبو القاسم بن قاسم بن سودة (ت1004ه/1596م)،
و محمد بن قاسم القصار (ت1012ه/1604م)،
وأبو المحاسن يوسف بن محمد الفاسي (ت1013ه/1604م).
وقد ألفت كثير من الكتب خلال هذه الفترة في شتى مجالات المعرفة.
ففي علوم القرآن كلفوا بتفسير الكشاف للزمخشري اعجابا بمباحثه البلاغية وردا على شبهاته الاعتزالية.
فكتبوا عليه حاشيتين إحداهما للملك المنصور والثانية للقاضي محمد بن عبد الله الرجراجي، كما أمر أحمد المنصور بجمع تفسير الامام ابن عرفة التونسي
(ت1400/5803م) من تقاييد تلميذيه البسيلس والسلوي. كما ألفت كتب منها شروح وحواشي على صحيحي البخاري ومسلم وعمدة الأحكام لعبد الغني المقدسي(ت1203/ 5600م) ومنها تخريج كتاب الشهاب لمحمد بن سلامة القضاعي (ت454ه/1062م) وغيرها.
أما في التوحيد فكان أكثر اعتماد المدرسين على عقائد السنوسي الأربع، فكتبوا عليها نحو عشرين شرحا وحاشية وشرحوا أيضا عقائد المهدي ابن تومرت، وسعيد الحاحي، وكفاية المريد لأحمد بن عبد الله الزواوي (ت1479/5884) ومحصل القاصد الأحمد بن زکریا التلمساني
(ت1493/5899) وغيرها،
وفي الفقه تم تداول مختصر خليل بكثرة وكتبوا عليه نحو ثلاثين شرحا وحاشية وتعليق وألف ابن غازي كتاب: الكليات في أسس مذهب مالك، وكتاب إتحاف ذوي الذكاء والمعرفة بتكمييل تقييد أبي الحسن وتحليل تعقيد ابن عرفة، وهو تعليق على المدونة، ولعبد الواحد الونشريسي ،سنا المقتبس لفهم قواعد الإمام مالك بن أنس نظم فيه
كتاب والده صاحب المعيار، المسمى إيضاح السالك إلى مذهب الإمام مالك ، كما كتب الذيوع والخلود لأرجوزة المرشد المعين على الضروري من علوم الدين لعبد الواحد ابن عاشر.
كما ظهرت خلال هذه الفترة العديد من الأبحاث الطبية والصيدلية لاكتشاف العقاقير والأدوية ضد الأوبئة، ومن أشهر الأطباء أبو عبد الله طبيب المنصور الخاص، والحسن المسفيوي، ومن أهم المؤلفات الطبية حديقة الأنهار في شرح ماهية العشب والعقار للوزير الغساني، والقانون المفيد في علاج الحصى بقول سدید لابن مسعود.
إن توفر الكتب سواء المؤلفة قبل أو خلال الفترة أدى إلى انتشار المكتبات العامة
الخاصة ولعل من أبرز هذه المكتبات، مكتبة السلطان أحمد المنصور التي ضمت مؤلفات ضخمة في مختلف العلوم منها العلوم الدينية كمؤلفات محمد بن أبو عبد الله الرجراجي ومؤلفات الشيخ أبو العباس أحمد بن على المنجور ، وتأليف أبو العباس أحمد بابا
التمبكتي، وتأليف عبد العزيز الفشتالي وزير المصور وهو: مناهل الصفا في مآثر موالينا الشرفا. ومؤلفات أحمد المقري ، وأحمد ابن القاضي منها: المنتقى المقصور على مآثر الخليفة المنصور، ودرة الحجال في غرة أسماء الرجال، وجذوة الاقتباس في من حل من الأعلام مدينة فاس.
ومن المكتبات أيضا مكتبة جامع الأندلس بفاس ومكتبة ابن يوسف بمراكش التي
أسسها عبد الله الغالب، ومكتبة جامع الشرفاء بمراكش التي أسسها نفس السلطان السابق الذكر وقد استفاد منها التمبكتي كثيرا في إخراج مؤلفاته، ومكتبة الجامع الأعظم بالمحمدية التي أسسها محمد المهدي الشيخ حوالي عام 1528/935 عندما جدد مدينة تارودانت، ومنها أيضا مكتبتي الجامع الأعظم بكل من مكناس وآسفي.
ولا يمكننا أن نغفل الدور الذي لعبته الزوايا في الحركة الفكرية خلال هذه الفترة ولعل من أبرز الزوايا التي كان لها نشاط ظاهر زاوية الدلاء الأولى التي أسسها أبو بكر بن محمد
الدلائي حوالي سنة 1566/ 974 في مرتفعات جبال الأطلس المتوسط، وقد عني الشيخ أبو بكر في زاويته بالعلم والعلماء كعنايته بالتصوف والمريدين واهتم اهتماما كبيرا بتعليم أبنائه الستة سواء على يد العلماء الوافدين على الزاوية أو العلماء بفاس،ثم يرجعون ليعودوا بدورهم من أطر هذه الزاوية، وقد تكاثر عدد الطلبة والعلماء واتسع عمران الزاوية بما بني حولها من دور وأسواق ومساجد ومكتبات ومدارس السكني الطلبة الغرباء حتى قيل أنه كان بالمدرسة التي بإزاء جامع الخطبة ألف وأربعمائة مسكن، وأن المكتبة الكبرى بالزاوية كانت تشبه مكتبة الحكم المستنصر بالأندلس حيث بلغ عدد كتبها نحو 10 آلاف سفر.
وقد أجمع كل من تحدث عن الناحية العلمية في هذه الزاوية على أنها بلغت في هذا المضمار شأنا كبيرا بل إننا نقول: إن الثقافة اللغوية التي كانت موجودة في زاوية الدلاء حيث درس اليوسي هي التي أحيت دماء الأدب بالمغرب بعد عدم.
زاوية أيت عياش وسط سلسلة جبال الأطلس في حدر جبل العياشي أسسها محمد بن
أبي بكر العياشي (ت1651/1067م، وقد أمضى العياشي نصف قرن في زاويته يعلم الطلبة القرآن و علوم الدين والتصوف وقد تخرج منها كثير من أبنائها من أشهرهم أبي سالم العياشي. وهناك زوايا أخرى منها زاوية الصومعة بتادلا لأحمد بن أبي القاسم الصومعي دفين الصومعة توفي 1013ه/1604م، وهي الزاوية التي درس بها الشيخ محمد الشرقي، والزاوية الناصرية المنسوبة لمحمد بن ناصر الدرعي الذي تتلمذله أبو علي اليوسي ، كانت مسرحا حيا للدروس العلمية ولا ننسى أيضا الدور الذي لعبته زاوية محمد الشرقي بأبي الجعد خاصة وتادلا عموما في نشر العلم والتصوف بالمنطقة وهو ما تحدثنا عنه سابقا.

🎖ج- اجتماعيا واقتصاديا:
يعتبر الأمن من أهم الشروط التي يجب أن تتوفر في دفع أي مسيرة تنموية في بلد ما، لذا نجد السلاطين السعديين يحرصون على ذالك قدر المستطاع سواء من خلال ضبط النظام الداخلي، أو من خلال مقومتهم للغزاة الأجانب الذين أرادوا السيطرة على السواحل المغربية الإستراتيجية خاصة البرتغال والإسبان، فقد كان السلطان أحمد المنصور يراقب العمال ويغلظ على جبابرتهم المشهورين بالحيف وارتكاب الجور ويعاقبهم بالسجن
والمصادرة، وغلق أبواب الشفاعة دونهم .وعمل على استئصال أهل الدعارة والفساد بدكالة وبلاد حاحة ، ومهد السبل وانتزع خيول العرب وعمل على تدويخ المنحرفين، ولما كان السلطان يجلس للمظالم بنفسهم فقد أسقط عن من مسه ظلم و جور مثقالا عن كل نائبة وعوضهم من خزينة الدولة بأن دفع عنهم الخراج المترتب عليهم.
كما اهتم بالأسطول برباط سلا وعقد رئاسته لرجل من أهل المغرب يسمي إبراهيم الشط، المثل المضروب في الشجاعة والمعرفة بأحوال البحار والحصون وكتب له بذالك، ولعل من أبرز منجزات السعديين بناء السلطان محمد الشيخ المهدي مدينة المحمدية والتي تعتبر باب السودان، وقاعدة بلاد السوس.
لقد اهتم السعديون بالجانب الزراعي وذالك بتنظيم الزراعة وزرع مختلف المنتوجات الزراعية من حبوب وغلال وفواكه وخضر وزيتون فالمغرب يحوز على أخصب الأراضي الزراعية لذا اعتبر مارمول فاس ونواحيها من أخصب بلاد العالم.
كما اعتنوا بالثروة الحيوانية من غنم وبقر وجمال وخيل وبغال وحيوانات داجنة ، واهتموا بالري وسقي الأراضي الزراعية عبر الأودية العظيمة كتلك التي تنحدر من جبال الأطلس الكبير وحفر قنوات الري كما اهتموا بتوزريع الأراضي الزراعية على القبائل والمهاجرين الأندلسيين، وأقاموا قرى صناعية في البادية وذالك نتيجة الاهتمام بقصب السكر وتأسيس
الدولة لمعامله في الصويرة وسهل سوس وتارودانت ووادي ماسة علاوة على مزارعه في
كما اهتموا بصناعة الأسلحة، ودور صناعة السفن كتلك الموجودة برباط سلا، واهتموا
أيضا باستخراج المعادن كملح البارود والنحاس والحديد والرصاص وملح الطعام والذهب من الصحراء (السودان)، فظهرت الحرف كالنجارة والخياطة ومطاحن الحبوب ومعامل الشمع وغيرها ، فكان مع ذالك أن انتعش القطاع التجاري مع استتباب الأمن والاستقرار، وتزايد عدد الفنادق والقيسريات في المدن والأسواق الأسبوعية ، فعمل على تمهيد الطرق معمارة المنازل والأماكن النائية، فازدهرت التجارة مع السودان ومنتجاته بعد السيطرة
من قبل المغرب لا التجارة الخارجية فقد تركزت على رغبة السلطان أحمد المنصور في الحصول على خيرة الحربية والأسلحة واستيراد بعض أنواع مواد البناء كالرخام من إيطاليا، وقد منحت تجار الدول الأجنبية امتيازات خاصة، خاصة الانجليز منهم، والذين أسسوا شركة أسموها الشركة البربرية، والتي احتكرت تجارة المغرب الخارجية خاصة تجارة السكر ، وكان الأنجليز يصدرون للمغرب الثياب ويأخذون السكر بأنواعه والتمور والشمع والحبوب والزرابي والذهب وملح البارود والتبغ، ويجمع المؤرخون على أن صادراتها فقد ارتكزت على مادتين أساسيتين الذهب والسكر، فمن أهم المراكز التجارية نجد آسفي بالنسبة
لمراکش، وأكادير بالنسبة لسوس، والعرائش وتطوان والرباط وسلا وأصيلا وأزمور.

🥇اجتماعيا:
كانت البداوة طاغية على الحياة الحضرية بالمغرب أوائل القرن العاشر الهجري 16م بسبب اختفاء عدد كبير من المدن وبخاصة في الساحل الذي استولى عليها البرتغاليون والإسبان ، فقضوا على صبغتها المغربية، وحولوها إلى مراكز استيطان الجنودهم وجالياتهم أو للشعور بالعزلة بسبب إختلال الأمن وانقطاع السبل فخلت المدينة المغربية بين الوليدية ولآسفي والرباط ورباط تيط جنوبي البريجة ، أو الجديدة الحالية ومدينة آنفي في الموقع الحالي للدار البيضاء والقصر الصغير بین طنجة وسبتة وتقلصت الحياة في مدن أبي رقراق لتبقى الرباط والقصبة وبعض أحياء سلا قاعا صفصفا ، وحتى المدن الداخلية نال منها الخراب بسبب الحروب والفتن المنتشرة أواخر العهد المريني فلم يعد مسكونا في مدينة مراكش غير نحو ثلثها بينما سقط الباقي خرائب وركاما وحولت أحياء متهدمة إلى بساتين تزرع فيها الأشجار والبقول على أن هذه السحابة السوداء لم تلبث أن أخذت تنجلي مع ظهور السعديين وانتشار نفوذهم فلم يتوسط القرن العاشر الهجري حتى تخلصت شواطئ سوس وآسفي وأزمور والعرائش وأصيلا وأسس مدن أخرى، أو جددت واتسع عمرانها كحصن المنكب والمحمدية (تارودانت) وشفشاون وتطوان كما استرجعت مراکش سالف عمرانها ومجدها لتصبح في آخر القرن أكثر بهجة وفخامة.
وإذا كنا لا نعرف عدد سكان المغرب في العصر السعدي لعدم وجود إحصاءات مضبوطة فإن بعض المؤرخين المحدثين قدروا عدد السكان أوائل القرن العاشر (16م) بستة ملايين ونصف ومن المؤكد أن سكان المغرب السعدي تزايد عددهم بتقدم عقود هذا القرن لاسيما بعد أن اتسعت حدود
الإمبراطورية السعدية وشملت الصحراء الكبرى وما وراءها من بلاد السودان ، وقد دخلت إلى المغرب عناصر سكنية جديدة منهم المرتزقة من الأتراك والأوروبيين العاملين في الجيش والأسرى والأرقاء المسيحيون والسودانيون العاملون في الجيش وبخاصة في خدمة القصور والحقول وأوراش البناء ومعاصر السكر ،واليهود المشتغلون في التجارة وصياغة الذهب إلى عدد غير قليل من الأسر الجزائرية وقبائل برمتها فرت من المغرب الأوسط لقاء التواجد العثماني وقد استقرت هذه القبائل في سهول سايس وحوض سبوا.
على أن أهم العناصر الوافدة على المغرب أيام السعديين هي الجالية الأندلسية التي تتابع نزوحها إلى هذه العدوة طوال القرن العاشر (16م) حتى إذا أصدر الملك الإسباني فليب الثالث في 22 جمادی الثانية 22/1018سبتمبر 1609م قرار طرد الموريسكيين من شبه جزيرة إيبيريا، قصدت أفواج كثيرة منهم المغرب الأقصى فعمر الحضريون القصبة والرباط والأحياء المهجورة في سلا وسكنوا المدن الأخرى حتى بلاد سوس مكونيين في الغالب أحياء خاصة بهم مشتغلين بالتعليم والتطبيب ومختلف الحرف والصناعات التي يعرفونها، أو متقلدين مناصب في البلاد والجيش، كما انتشر الفلاحون
الأندلسيون في بوادي المغرب فنشطوا الزراعة ويجددون من طرق الري والغرس والسكنى القروية. كما أثر العنصر التركي فيالمجتمع المغربي حيث وجدت فئة انكشارية أسسها المولى أحمد المنصور من العلوج وقد تمركزوا بمراکش خاصة، قد اقتبس السلطان المذكور أنظمة العثمانيين السياسية حين تواجده بالجزائر إبان حكم ابن أخيه المتوكل، وكان العثمانيون أنذاك في أوج عزهم وعنفوان قوتهم، أما السودانيون فمن خلال الجاليات السودانية التي جلبت أو هاجرت من المنطقة إلى الشمال، فأحدثوا تغيرا في المجتمع المغربي ووجد منهم الخدم والعمال والجنود والرقيق، وعرف عنهم عادة التدخين التي جلبوها إلى درعة ومراکش وغيرهما من بقاع المغرب. وقد انقسم المجتمع المغربي إلى سكان المدن وسكان الأرياف، وسكان الأرياف يشكلون أغلبية المجتمع المغربي الانتشار الحياة القبلية ، واعتماد الدولة على قطاع الزراعة واهتمام سلاطين السعديين به خاصة السلطان أحمد المنصور ويمكن أن نميز الفئات التالية في المجتمع المغربي:
1- الطبقة الحاكمة والحاشية ولإراد الأسرة الحاكمة
2- كبار القادة السياسيين والعسكريين كانوا من الأغنياء لقاء ما يتلقونه من الدولة من هبات وإقطاعات
3- الشرفاء والقضاة والفقهاء والكتاب والشعراء
4- التجار الذين كانوا يشكلون الطبقة البرجوازية الناشئة بفضل ازدهار الحياة
الاقتصادية، لعبوا دورا في فتوحات أحمد المنصور في بلاد السودان ، وإنشاء مراكز تجارية حطات للتجار وقوافلهم
5- فئات العامة من أرباب الحرف وطبقات الجند وجمهور الشعب في المدن والبوادي
والسهول والجبال إضافة إلى اليهود والنصارى.

عن admin

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

shares